محمد بن وليد الطرطوشي

60

سراج الملوك

وكان إبراهيم بن أدهم ، يأكل من عمل يده ، مثل الحصاد ، وحفظ البساتين ، والعمل في الطين ، وكان يوما يحفظ كرما ، فمرّ به جندي ، فقال : أعطنا من هذا العنب ، فقال : ما أمر به صاحبه ، فأخذ يضربه بالسوط ، فطأطأ رأسه ، وقال : اضرب رأسا طالما عصى الله ، فانحجز الرجل ومضى . وقال سهل بن إبراهيم : صحبت إبراهيم بن أدهم ، فمرضت فأنفق عليّ نفقته ، فاشتهيت شهوة ، فباع حماره وأنفق ثمنه عليّ ، فلما تماثلت ، قلت : يا إبراهيم ، أين الحمار ؟ فقال : بعناه ، فقلت : فعلام أركب ؟ قال : يا أخي على عنقي ، قال : فحملني ثلاث منازل رحمه الله . وأنشدوا شعرا : أيّها المرء إنّ دنياك بحر * طافح موجه فلا تأمننها « 1 » وسبيل النّجاة فيها مبين * وهو أخذ الكفاف والقوت منها « 2 » وبلغني ، أنّ بالهند يوما يخرج الناس فيه إلى البريّة ، فلا يبقى في البلد بشر من طين ، لا شيخ كبير ، ولا مولود صغير ، وهذا اليوم يكون بعد انقراض مائة سنة من يوم مثله ، فإذا اجتمع الخلق في صعيد واحد ، نادى منادي الملك : لا يصعدنّ هذا الحجر - الحجر هناك منصوب - إلا من حضر في المجمع الأوّل ، الذي قد خلا من مائة سنة ، فربّما جاء الشيخ الهرم ، الذي قد ذهبت قوّته ، وعمي بصره ، وفني شبابه ، وتجيء العجوز تزحف لم يبق منها إلا رسمها ، وقد أخنى « 3 » الدهر عليها ، فيصعدان على الحجر الذي هناك ، ويقول الشيخ : حضرت المجمع الأول منذ مائة سنة وأنا طفل صغير ، وكان الملك فلانا . . . ويصف الجيوش الماضية ، والأمم الخالية ، وكيف طحنهم البلى ، وصاروا تحت أطباق الثّرى ، ويقوم خطيبهم فيعظ الناس ، ويذكّرهم صرعة الموت ، وحسرة الفوت ، فيبكي القوم ويتوبون من المظالم ، ويكثرون الصدقات ، ويخرجون عن التبعات « 4 » ويصلحون على ذلك مدة .

--> ( 1 ) طفح موج البحر : أرتفع كزبد القدر الذي يطفح فوق شفتها . ( 2 ) سبيل النجاة من الدنيا : أي : طريق النجاة منها أخذ الكفاف من الرزق ، وهو ما كفى عن الناس ، وكان مقدار الحاجة دون زيادة أو نقصان . ( 3 ) أخنى عليها الدهر : أهلكها أو جار عليها وغدر بها . ( 4 ) التبعات : مفردها : تبعة ، وهي ما يترتب على الفعل من خير أو شر ، إلا أن استعمالها في الشر أكثر ، يقال لهذا الفعل : تبعة . أي : ضرر .